الإمام يحيى بن الحسين

14

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم

وسيقة كل سائق ، وركضوا في ميادين الدول ، كما وصفهم اللّه عز وجل إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الفرقان : 44 ] ، وهم الجم الغفير ، والجمع الكثير وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ الأنعام : 116 ] وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [ يوسف : 103 ] ، فعظمت الفتنة ، واشتدت المحنة ، وتمت الفرقة المنهي عنها في الكتاب المبين ، وعلى لسان الرسول الأمين . هذا واعلم أن اللّه جل جلاله قال : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [ يونس : 32 ] ، وقال الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم : « افترقت أمة أخي موسى إلى إحدي وسبعين فرقة ، منها فرقة ناجية ، والباقون في النار ، وافترقت أمة أخي عيسى إلى اثنتين وسبعين فرقة ، منها فرقة ناجية والباقون في النار ، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة ، منها فرقة ناجية والباقون في النار » ، وهذا الخبر متلقى بالقبول ، فكلام من شكك فيه غير مقبول ، وقال وصيه علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه : « ما وحده من كيفه ، ولا حقيقته أصاب من مثله ، ولا إياه عنى من شبهه ، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه » ، وغير ذلك مما هو معلوم بين الأمة ، ثم إنه معلوم بضروريات المعقول عدم صدق المتناقضات وما إليه تؤول ، وقد قال جل ذكره : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ [ الزمر : 32 ] ، فكيف تكون هذه الفرق كلها ناجية على اختلاف أهوائها وتباين آرائها ؟ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [ المؤمنون : 71 ] . وقد أوضح لهم الدليل ، وأنهج لهم السبيل ، بما ركب فيهم من العقول ، وأتاهم به الرسول ، فلم يكن خلاف من خالف ، وشقاق من شاقق ، فيما هذا حاله ، إلا إخلالا بما كلفه اللّه تعالى من معرفته ، أو عنادا لما احتج به عليه من حجته ، ألم ينههم عن التفرق في الدين ، والاكتفاء بالظن فيما لا بد فيه من اليقين ؟ قال جل ذكره : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ الأنعام : 153 ] ، وقال عز وجل : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ الشورى : 13 ] ، وغير ذلك مما احتج به على الخلق ، وأرشدهم به إلى الحق .